عبد الله بن أحمد النسفي
279
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 58 إلى 61 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 59 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ( 60 ) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) 58 - وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وكانوا أربعة آلاف بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي بفضل منا لا بعملهم ، أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ وتكرار نجينا للتأكيد ، أو الثانية من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه . 59 - وَتِلْكَ عادٌ إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال : سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا ، ثم استأنف وصف أحوالهم فقال جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل اللّه لا نفرق بين أحد من رسله وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل ، لأنهم الذين يجبرون الناس على الأمور ويعاندون ربهم ، ومعنى اتباع أمرهم طاعتهم . 60 - وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لمّا كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ تكرار ألا مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم تهويل لأمرهم ، وبعث على الاعتبار بهم ، والحذر من مثل حالهم ، والدعاء ببعدا بعد هلاكهم ، وهو دعاء بالهلاك للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له قَوْمِ هُودٍ عطف بيان لعاد ، وفيه فائدة لأنّ عادا عادان الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم ، والأخرى إرم . 61 - وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ لم ينشئكم منها إلّا هو ، وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ثم خلقهم من آدم وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها وجعلكم عمّارها ، وأراد منكم عمارتها ، أو استعمركم من العمر أي أطال أعماركم فيها ، وكانت أعمارهم من ثلاثمائة إلى ألف ، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمّروا الأعمار الطوال مع ما فيهم من الظلم ، فسأل نبيّ من أنبياء زمانهم ربّه عن سبب تعميرهم فأوحي « 1 »
--> ( 1 ) في ( ز ) فأوحى اللّه .